ابن كثير
58
البداية والنهاية
المواقف أمر عجيب ، وهو أن المسلمين انهزموا عن خوارزم شاه وبقي معه عصابة قليلة من أصحابه ، فقتل منهم كفار الخطأ من قتلوا ، وأسروا خلقا منهم ، وكان السلطان خوارزم شاه في جملة من أسروا ، أسره رجل وهو لا يشعر به ولا يدري أنه الملك ، وأسر معه أميرا يقال له مسعود ، فلما وقع ذلك وتراجعت العساكر الاسلامية إلى مقرها فقدوا السلطان فاختبطوا فيما بينهم واختلفوا اختلافا كثيرا وانزعجت خراسان بكمالها ، ومن الناس من حلف أن السلطان قد قتل ، وأما ما كان من أمر السلطان وذاك الأمير فقال الأمير للسلطان : من المصلحة أن تترك اسم الملك عنك في هذه الحالة ، وتظهر أنك غلام لي ، فقبل منه ما قال وأشار به ، ثم جعل الملك يخدم ذلك الأمير يلبسه ثيابه ويسقيه الماء ويصنع له الطعام ويضعه بين يديه ، ولا يألو جهدا في خدمته ، فقال الذي أسرهما : إني أرى هذا يخدمك فمن أنت ؟ فقال : أنا مسعود الأمير ، وهذا غلامي ، فقال : والله لو علم الامراء أني قد أسرت أميرا وأطلقته لأطلقتك ، فقال له : إني إنما أخشى على أهلي ، فإنهم يظنون أني قد قتلت ويقيمون المأتم ، فإن رأيت أن تفاديني على مال وترسل من يقبضه منهم فعلت خيرا ، فقال : نعم ، فعين رجلا من أصحابه فقال له الأمير مسعود : إن أهلي لا يعرفون هذا ولكن إن رأيت أن أرسل معه غلامي هذا فعلت ليبشرهم بحياتي فإنهم يعرفونه ، ثم يسعى في تحصيل المال ، فقال : نعم ، فجهز معهما من يحفظهما إلى مدينة خوارزم شاه . فلما دنوا من مدينة خوارزم سبق الملك إليها . فلما رآه الناس فرحوا به فرحا شديدا ، ودقت البشائر في سائر بلاده ، وعاد الملك إلى نصابه ، واستقر السرور بإيابه ، وأصلح ما كان وهى من مملكته بسبب ما اشتهر من قتله ، وحاصر هراة وأخذها عنوة . وأما الذي كان قد أسره فإنه قال يوما للأمير مسعود الذي يتوجه لي وينوهون به أن خوارزم شاه قد قتل ، فقال : لا ، هو الذي كان في أسرك ، فقال له : فهلا أعلمتني به حتى كنت أرده موقرا معظما ؟ فقال : خفتك عليه ، فقال : سر بنا إليه ، فسارا إليه فأكرمهما إكراما زائدا ، وأحسن إليهما . وأما غدر صاحب سمرقند فإنه قتل كل من كان في أسره من الخوارزمية ، حتى كان الرجل يقطع قطعتين ويعلق في السوق كما تعلق الأغنام ، وعزم على قتل زوجته بنت خوارزم شاه ثم رجع عن قتلها وحبسها في قلعة وضيق عليها ، فلما بلغ الخبر إلى خوارزم شاه سار إليه في الجنود فنازله وحاصر سمرقند فأخذها قهرا وقتل من أهلها نحوا من مائتي ألف ، وأنزل الملك من القلعة وقتله صبرا بين يديه ، ولم يترك له نسلا ولا عقبا ، واستحوذ خوارزم شاه على تلك الممالك التي هنالك ، وتحارب الخطأ وملك التتار كشلي خان المتاخم لمملكة الصين ، فكتب ملك الخطأ لخوارزم شاه يستنجده على التتار ويقول : متى غلبونا خلصوا إلى بلادك ، وكذا وكذا . وكتب التتار إليه أيضا يستنصرونه على الخطأ ويقولون : هؤلاء أعداؤنا وأعداؤك ، فكن معنا عليهم ، فكتب إلى كل من الفريقين يطيب قلبه ، وحضر الوقعة بينهم وهو متحيز عن الفريقين ، وكانت الدائرة على الخطأ ، فهلكوا إلا القليل منهم ، وغدر التتار ما كانوا عاهدوا عليه خوارزم شاه ، فوقعت بينهم الوحشة الأكيدة ، وتواعدوا للقتال ، وخاف منهم خوارزم شاه وخرب بلادا كثيرة متاخمة لبلاد كشلي خان خوفا عليها أن يملكها ،